أبو الليث السمرقندي
233
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ يعني : أعرض الكافر ، فلا يدعو ربه . وقال الكلبي : أعرض عن الإيمان . وَنَأى بِجانِبِهِ يعني : تباعد بجانبه عن الدعاء ، وعن الإيمان . وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ يعني : أصابته الشدة فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ قال مقاتل والكلبي : يعني : كثيرا . ويقال : يعني : طويلا . فإن قيل : قد قال في موضع . وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ وقال في موضع آخر : فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ مرة ذكر أنه يؤوس ، ومرة أخرى ذكر أنه يدعو ، فكيف هذا ؟ قيل له : هذا في شأن رجل ، وهذا في شأن رجل آخر ، ويجوز أن يكون في شأن إنسان واحد . وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ عن كل معبود دون اللّه ، فيدعو اللّه دائما . فقال عز وجل : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني : إن كان هذا الكتاب من عند اللّه ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ يعني : جحدتم أنه ليس من عند اللّه ، ماذا تقولون ؟ وماذا تجيبون ؟ وماذا تحتالون . إذا نزل لكم العذاب يوم القيامة ؟ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي : في خلاف طويل ، بعيد عن الحق . قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يعني : عذابنا في البلاد ، مثل هلاك عاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وهم يرون إذا سافروا ، آثارهم ، وديارهم . وَفِي أَنْفُسِهِمْ يبتلون بأنفسهم من البلايا . ويقال : من قتل أصحابهم الكفار في الحرب ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يعني : إن الذي قلت هو الحق ، فيصدقونك . وقال مجاهد : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يعني : ما يفتح اللّه عليهم من القرى ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال : فتح مكة . وقال الضحاك : معناه أن أبا جهل قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ائتنا بعلامة ، فانشق القمر نصفين . فقال : أبو جهل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن كان القمر قد انشق ، فهي آية . ثم قال : يا معشر قريش ، إن محمدا قد سحر القمر ، فوجهوا رسلكم إلى الآفاق . هل عاينوا القمر ؟ إن كان كذلك ، فهي آية وإلا فذلك سحر ، فوجهوا . فإذا أهل الآفاق ، يتحدثون بانشقاقه . فقال أبو جهل عليه اللعنة : هذا سحر مستمر . يعني : ذاهبا في الدنيا . فنزل سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وقال بعض المتأخرين . سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ ما وضع في العالم من الدلائل ، وفي أنفسهم ما وضع فيها من الدلائل ، التي تدل على وحدانية اللّه تعالى ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم صادق ينطق بالوحي فيما يقول . وهذا كما قال : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ شاهدا أن القرآن من اللّه تعالى ، أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي : عالم بأعمالهم ، بالبعث وغيره . وقال الكلبي : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يعني : أنه قد أخبرهم بذلك ، وإن لم يسافروا . ويقال : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ومعنى الكفاية هاهنا ، أنه قد بيّن لهم ما فيه كفاية ، بالدلالة على توحيده ، وتثبيت رسله .